عبد الملك الخركوشي النيسابوري
500
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
الدنيا ، وحذّره صولة الدهر ، يا بنى أصلح مثواك ، وبع بآخرتك دنياك ، ودع القول فيما لا تعلم ، والنظر فيما لم تكلف ، ومر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر بيدك ولسانك ، وباين فعله بجهدك ، وخض الغمرات إلى الحق وتفقه في الدين ، وعوّد نفسك الصبر على المكروه ، وألج نفسك في الأمور كلّها إلى اللّه سبحانه ، فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ، ومعقل عزيز ، وأخلص المسألة إلى اللّه عزّ وجلّ فإن بيده العطاء والحرمان ، يا بنى تفهّم كلامي وتدبّر كتابي ، فقد كتبت إليك كتاب زهد وأدب ، وأفرغ جميع ما كتبت به إليك في صدرك ، واعلم أنه لا غناء بك عن حسن الإرشاد ، وبلغة من الزاد ، فإنّ بين يديك عقبة كئودا ، لا يجوزها إلّا كل ضامر مهزول خفيف ، يا بنى تيقظ من نومة الغفلة ، وانتبه من سكرة الدنيا فإنّ لها سكرا كسكر الشراب ، واعلم أنّك غرض الأسقام ورمية المصائب ، جعلنا اللّه تعالى وإيّاك من الفائزين . وكتب النوري إلى الخراز كتابا وكتب فيه هذه الأبيات : لعمري ما استودعت سرّى وسره * سوانا حذارا أن تشيع السّرائر ولا لاحظته مقلتاى بنظرة * فتشهد نجوانا العيون النواظر ولكن جعلت الوهم بيني وبينه * رسولا فأدى ما تكنّ الضمائر وكتب أبو سعيد الخراز في صدر كتاب له إلى بعض أصدقائه : حماك اللّه عن نفسك بذكره ، وصرفك عن ذلّك بشكره ، ولا أخلاك في ذلك من إقباله ، وقسم لك من جزيل نواله ، وأعاذك من شديد نكاله ، إنّه ولىّ ذلك . وكتب أبو سعيد بن الأعرابي في كتاب له : أماتك اللّه عنك وحياك به ، وأمدك بالفهم ، وفرّغ قلبك من كل وهم ، وأغناك بالقرب عن المسافة ، وبالأنس عن الوحشة . ومرض رجل من أصحاب ذي النون فكتب إليه : أن ادع اللّه تعالى لي ، فكتب إليه ذو النون رضى اللّه عنه : يا أخي سألتني أن أدعو اللّه تعالى لك أن يزيل عنك النّعم ، واعلم أنّ العلّة يأنس بها أهل الصّفاء ، وأصحاب الهمم والضياء ، ومن لم يعدّ البلاء نعمة فليس من الحكماء ، ومن لم يأمن الشفيق على نفسه فهو من أهل التهمة على أمره ، فليكن معك حياء يمنعك من الشّكوى والسّلام . وكتب عمرو بن عثمان المكي كتابا إلى متصوفة بغداد ، وكان صدر كتابه : إنّكم لن تصلوا إلى حقيقة الحقّ حتى تجاوزوا تلك الطّرقات المنطمسة ، وتسلوا تلك المفاوز المهلكة . وكان الجنيد والشبلي والجريري حاضرين عند قراءة كتابه ، فقال الجنيد : ليت شعري من